علي بن محمد البغدادي الماوردي
116
أدب الدنيا والدين
أن أبا حازم الأعرج « 1 » أخبر سليمان بن عبد الملك بوعيد اللّه للمذنبين فقال سليمان : أين رحمة اللّه ؟ قال : قريب من المحسنين . وقال عبد اللّه ابن عباس رضي اللّه عنهما : ما انتفعت ولا اتعظت « 2 » بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بمثل كتاب كتبه إلى عليّ بن أبي طالب كرّم اللّه وجهه : أما بعد فإن الإنسان ليسرّه درك ما لم يكن ليفوته ويسوؤه فوت ما لم يكن ليدركه فلا تكن بما نلته من دنياك فرحا ولا لما فاتك منها ترحا ولا تكن ممن يرجو الآخرة بغير عمل ويؤخر التوبة لطول الأمل فكأن قد والسلام . وقال محمود الوراق رحمه اللّه : أخاف على المحسن المتقي * وأرجو لذي الهفوات المسئ فذلك خوفي على محسن * فكيف على الظالم المعتدي ؟ على أن ذا الزيغ قد يستفيق * ويستأنف الزيغ قلب التقي والحال الثالثة أن يكون تقصيره فيه ليستوفي ما أخل به من بعد فيبدأ بالسيئة في التقصير قبل الحسنة في الاستيفاء اغترارا بالأمل في إمهاله ورجاء لتلافي ما أسلف من تقصيره وإخلاله فلا ينتهي به الأمل إلى غاية ولا يفضي به إلى نهاية لأن الأمل هو في ثاني حال كهو في أوّل حال . فقد روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « من يؤمن أن يعيش غدا فإنه يؤمل أن يعيش أبدا » ولعمري ان هذا صحيح لأن لكل يوم غدا فإذن يفضي به الأمل إلى الفوت من غير درك ويؤديه الرجاء إلى الاهمال من غير تلاف فيصير الأمل خيبة والرجاء يأسا . وقد روى عمرو بن سعيد عن أبيه عن جده أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « أوّل صلاح هذه الأمة بالزهد واليقين وفسادها بالبخل والأمل » وقال
--> ( 1 ) أبو حازم الأعرج : هو سلمة بن دينار الأعرج روى عنه سهل بن سعد ، وروى عنه مالك والثوري وغيرهما قال أبو علي الجياني : أبو حازم رجلان تابعيان يكنيان بأبي حازم يرويان عن الصحابة ، وكلاهما ثقة . فالأول الأشجعي الكوفي مولى عزة الأشجعية اسمه سلمان ، روى عن أبي هريرة رضي اللّه عنه روى عنه الأعمش ومنصور وفضيل بن غزوان . والثاني هو سلمة بن دينار الأعرج . ( 2 ) اتعظت : أي اتعظت بما وعظت ، وحذف الفعل بعد ( قد ) كثير لدليل يدل عليه .